قصة إبن منظور صاحب اللسان
قصة إبن منظور صاحب اللسان
قصة إبن منظور صاحب اللسان
الصفحة الرئيسية >> القصص والحكايات >> حكايات المكتوبة والمصورة

قصة إبن منظور صاحب اللسان


قصة إبن منظور صاحب اللسان

كتب بتاريخ 10/06/2017.. وتمت مشاهدته (147) مشاهده

 

صغيراً جداً تعلم محمد ابن منظور القرآن الكريم، وقد قرر معلمه المعروف في مصر كلها

 

(مرتضى بن حاتمٍ) أن يشكوه إلى أبيه، فهو لا يترك له أن يعلمه وفق أصول تعلم القرآن الكريم،

 

إنه يتعجل القراءة والكتابة، ويريد أن يستمر في تعلم كتاب الله قراءة لا حفظاً.


أبوه المكرم لما سمع انزعج، وهو دهش وغاضب، لأن محمداً لا يطيع معلمه في تعلمه،

 

وأسرع إليه يسأله: - محمد.. هل أنت تتعلم القرآن الكريم؟


قال محمد: - بلى يا أبتي.. أنا أتعلم قراءة القرآن وكتابة آياته..


- وماذا حفظت من سوره الكريمة؟


نظر الصغير محمد إلى معلمه وقال: - أنا أحفظ من جزء عمَّ...

 

فغضب أبوه وصاح: - تحفظ سوراً من جزء عمَّ فقط! أليس كذلك؟


وأضاف معلمه: - لكنه يريد أن يمضي في القراءة والكتابة، تصور إنه يجبرني على المضي

 

في قراءة القرآن، وقد تجاوز كل سور جزء تبارك.


فخطا أبوه إليه، وأمسك بيده، وقال له: - تعلَّمُ القرآن يعني حفظ آياته وسوره آيةً آيةً

 

وسورةً سورةً وجزءاً جزءاً، فلا تنتقل من سورةٍ كريمةٍ إلى سورةٍ كريمةٍ أخرى

 

إلا بعد حفظها تماماً، لكي تتمكن من ختم حفظ كتاب الله العزيز كله، هل فهمت يا ولد؟


وفي مجلس أبيه رأى ضيوفه من شيوخ العلم صاحبهم المكرم ساهماً يفكر، لكن لما سألوه

 

عرفوا أنه مشغول الفكر بابنه محمدٍ، قال:


- مشكلة ابني محمدٍ ومشكلتي معه أنه لا يريد أن يمسك بعلمٍ واحدٍ فيتعلم مبادئه، بل يريد

 

أن يقرأ قراءة ويطلع إطلاعاً على مبادئ العلوم كلها، إن الكتب أي كتب تسحره وتجذبه إليها.


هزّ معلمه (مرتضى بن حاتم) رأسه وقال:


- هذا صحيح.. محمد يريد أن يقرأ ويعرف ويستزيد ولا يريد أن يحفظ.. ولديه حب استطلاع

 

وشوق لمعرفة كل شيء..


وقال معلمه الآخر ابن المعبر:


- ونحن نريد له أن يدرس كما يدرس غيره من الفتيان.


وقال شيخه عبد الرحمن بن الطفيل:


- أنا أخشى عليه من الضياع بين الكتب فلا يعود يفهم في أي علمٍ من علومها.


وقال معلمه يوسف المخيلي الإسكندراني:


- تصوروا، إنه يريد هذا كله وهو لم يتقن القراءة الصحيحة بعد.. ها.. ها ها..


وضجَّ الحاضرون بالضحك، في حينٍ كان أبوه المكرم ينظر إليهم حزيناً وعقله عند ابنه محمد،

 

الذي كان يستمع إلى أصواتهم منزعجاً، ثم ركض مهرولاً إلى حيث يجلس

 

وحده زعلان في ركنٍ منعزلٍ في البيت.

 

منذ ذلك اليوم ابتدأ الاهتمام بالدراسة والحفظ على أيدي شيوخه، غير أن أصداء أحاديث أصدقاء

 

أبيه المكرم بن منظور ترن في رأسه، ويستعيد ما كان يسمعه، وتذكر صوت الشيخ شرف الدين

 

أحمد بن يوسف التيفاشي يذكر لوالده كتابه (فصل الخطاب في مدارك الحواس الخمس لأولي الألباب)

 

الذي قضى عمره في وضعه وتصنيفه. وسارع الولد محمد يسأل شيخه يوسف بن المخيلي

 

الإسكندراني عنه، ويسأله عن معاني كلمات عنوان الكتاب وعن كلماتٍ وأفكارٍ سمعها في مجلس

 

أبيه مراتٍ عديدة، لكنه لم يفهمها، ولم يرد أن يسأل أباه عنها.. فأجابه ابن المخيلي:


- ستفهم هذا كله عندما تكبر!!

 


ولم يقتنع، وأخذ يلحُ على شيخه المخيلي ليريه الكتاب، فضحك معلمه وقال له:


- لا يفيدك أن تراه الآن. ولم يقتنع أكثر، وبقي شديد الشوق للوقوف على الكتاب. فهو يشعر

 

أن عليه أن يعرفه ويعرف هذه الأشياء التي يتحدثون بها ويتحدثون عنها في حضرة أبيه،

 

ولما زاد إلحاحه على معلمه، قال له: - ستجده في مكتبة أبيك.


وكان محمد يفكر أن كل تلك الأشياء والكلمات والأفكار لا بد أن تكون موجودة في الكتب،

 

إنهم جميعاً يفتحون كتاباً أو يذكرون كتباً عند أحاديثهم، الكتب إذن، الكتب هي التي تحوي

 

كل شيءٍ وفيها الجواب عن أي شيء!


ذات يوم، كان أبوه مقبلاً على غرفة الديوان التي فيها كتبه وأشياء علومه، ورأى الباب مفتوحاً،

 

فتعجب، إذ لا أحد ممن في البيت يدخل هذه الغرفة من دون إذن منه أو علمٍ، حتى حين يعتنون بها،

 

فدخل بحذرٍ وهدوءٍ، آه، تنفس بهدوء، فقد رأى ابنه محمداً، ولم يعرف ماذا يقول له، بل بقي

 

ساكتاً كأنه لا يقدر على كسر حالة الفرح والسرور التي رأى نورها يشرق في وجه الولد.


كان محمد يقف مسحوراً بصفوف الكتب، ينتقل بكفه من كتابٍ إلى كتابٍ، يمسح على جلده،

 

أو يفتحه ينظر طويلاً في صفوف الأسطر، ويقرب الصفحة أكثر لينظر في الكتابة، في حبرها،

 

في إلتواءات حروفها، في وضوحها الذي يحمله على قراءة كلماتٍ، في غموضها وتشابك حروفها

 

الذي يتركه طائراً لا يعرف ما المكتوب في الورقة أمامه، لكنه كان يحرص على إعادة كل كتاب

 

إلى موضعه وترتيب كل الكتب، ويستمر يفتح ويقرأ، وحين يجلس مستمراً في قراءة أحد الكتب

 

متهجياً كلماته بصوت عال، يتركه وينسحب متراجعاً بهدوء وحذر كبيرين!


رآه أبوه ذات يوم يفتح كتاب (زهر الآداب وثمر الألباب) فكاد ينفجر ضاحكاً وهو يلتفت

 

إلى أحد أصدقائه من الفضلاء والأدباء، وصاح أحدهم:


- عجيب إنه يريد قراءة كتاب أبي إسحاق إبراهيم الحصري القيرواني، وبالتأكيد إنه لا يفهمه.


وأراد آخر أن يمد يده ويأخذه منه لكن أباه تركه قائلاً:


- دعوه، إنه يقرأ ولا يفهم اليوم، أو يقرأ الكثير ويفهم القليل،

 

لكنه سيفهم الكثير غداً حتى لو قرأ القليل!


ومع هذا فإن أباه يتعجب حتى يفتقده لأيامٍ، وقد اعتاد حضوره مجلسهم وأسئلته الكثيرة ونظراته

 

إلى الشيوخ والعلماء وتقليبه الكتب، وقراءته أمامهم لبعضها، لقد أفتقده وقد صار صبياً كبيراً فلم

 

يكن موجوداً، وأخذ يرقبه، ورآه ذات يومٍ، وهو يمسك الريشة وينسخ كتاباً، فتقرب منه على

 

أطراف أصابعه، ورآه ينسخ كتاب: (فصل الخطاب في مدارك الحواس الخمس لأولي الألباب)

 

لصديقه شرف الدين بن يوسف التيغاشي، وكتاب: (الحيوان) للجاحظ فسلم عليه أبوه..


بوغت الصبي وأطبق الكتاب ووضع الريشة في مكانها وأخذ ينظر إلى ابيه مبتسماً ومعتذراً،

 

رفع أبوه الوريقات التي كتب عليها إلى قرب عينيه وقرأ.. لقد كان ابنه ينسخ الكتاب حسب.


سأله: هل فهمت ما نسخت؟


قال: فهمت بعضه، وعصى على فهمي أكثره.

 


وحين روى ما حدث لجلاسه انطلقوا يضحكون لهذا الأمر، ثم تحدثوا كل برأيه، قال واحد:


- ربما سيكون ناسخاً فقط.. ينسخ الكتب ويبيعها.


وقال آخر: - أنا أعتقد أنه يبغي أن يحسن خطه.


وقال ثالثٌ متندراً ضاحكاً: - عصت عليه الكلمات فلم يفهمها وهو يقرؤها، فأخذ ينسخها لعله

 

يفهم ما لم يفهمه بالقراءة ها.. ها.. ها..!!


لكن الأب أشار بيده، وقال: - لا خوف على محمدٍ مما يفعل، سيتحسن خطه وسيفهم ما يقرؤه

 

ويكتبه، فأنا متأكد أنه فهم الكثير من الكتب، من المعاني العامة إلى السطر والفقرة والصفحة..

 




قصة إبن منظور صاحب اللسان

عيد سعيد لكم
اعلانات المجلة
قنوات الاطفال