قصة المهاجر
قصة المهاجر
قصة المهاجر
الصفحة الرئيسية >> القصص والحكايات >> حكايات المكتوبة والمصورة

قصة المهاجر


قصة المهاجر

كتب بتاريخ 25/07/2016.. وتمت مشاهدته (547) مشاهده


 

المهاجر

 

 


في كوة صخرة كبيرة، نزل الصغير صحبة والديه عند العمة لولا.. كان المكان غريباً بالنسبة إليه؛

 

لأنه لأول مرة يدخل فيها مسكناً بهذا الشكل.. صحيح أنه شعر فيه ببعض الأمان.. إلا أن مصدر تلك

 

الرائحة الغريبة ظل يقلقه. فهمت العمة "لولى" ذلك من خلال عينيه الصغيرتين اللتين تحملقان

 

في جدران مسكنها الصغير دون توقف. فأرادت أن تخفف من قلقه، ضاحكة:


- يبدو أن مسكني المتواضع لم يرق لابنكما الوسيم؟!


فرد الأب مقهقهاً محاولاً رفع الحرج:


- لا.. لا.. أبداً سيدتي "لولى".. فقط هو مأخوذ بشكله العجيب، الذي لم يعهده من قبل.


فأردفت الأم قائلة:


- ألا ترينه، وهو يحدق فيه بإعجاب؟!


- بلى، ولكني خشيت أن يكون في ضيق من رائحة الأكل المنبعثة منه –


.. فتح الصغير فاه مدهوشاً مما يسمع:


- رائحة الأكل؟! وأي أكل بهذه الرائحة؟!


أهي أكلة لا يعرفها؟ فكل الطيور –في نظره- لا تلتقط إلا حباً صلباً ونقياً.. فما طبيعة هذه الأكلة التي يجهلها؟!


اقترب الأب من الصغير، ووضع جناحه على كتفيه، وهو يقول:


- لا تنفق وقتك في التفكير هكذا –يا بني- "فدواء العيي السؤال"، كما يقال..


ثم جذبته والدته إليها، وأجلسته بقربها، وهي توضح له الأمر؛ قائلة:


- العمة "لولى" من فصيلة الطيور الجارحة..


- الطيور الجارحة؟!


- نعم؛ التي تتغذى على اللحم..

 

فتدخلت العمة "لولى" لتشرح له الأمر، مداعبة:


- لا تخف فأنت ضيفي الآن، كما أنك، بالنسبة إلي، مجرد لقمة صغيرة فلن آكلك..


.. ابتلع الصغير ريقه بجهد، وهو يحاول كسب ود العمة "لولى":


- وإن لم أكن ضيفك، فهل ستجرئين على افتراسي؟!


- بالطبع لا! لأني أفترس حيوانات معينة، أقدر على اصطيادها وملاحقتها..


- مثل ماذا؟!


- كالفئران مثلاً..


- الفئران؟!


- نعم، أكلتي المفضلة..


.. ساعتها تنفس الصعداء، وفهم –أيضاً- سبب وجود بعض بقايا عظام الحيوانات،

 

ورؤوس الفئران الصغيرة..

 


لكن الفضول ما زال يسيطر عليه، وهو ينظر إليها في إعجاب:


- وكيف تصطادينها؟!


- أترقبها حتى تخرج من جحورها ليلاً..


- في الليل؟!


- نعم، فهي تخرج للبحث عن أقواتها، ولذلك فرضت علي أن أزاول، أنا أيضاً، عملي ليلاً..


- وكيف تبصرينها في الظلام؟


قهقهت العمة "لولى"، وهي معجبة بذكائه:


- ألا ترى عيني الواسعتين؟


واقتربت منه أكثر، فأبصر عينين ما رأى مثلهما قط، لطائر.. فانبهر بهما وباستدارتهما العجيبة،

 

فسبح الله في سره على حسن خلقه وعظيم إرادته، وحسن تدبيره..


- ألهذا عيناك واسعتان؟


فأجابت، وهي تحرك رموشها باعتزاز:


- أجل، وقد أحسد عليهما!!


فتدخل أبوه موضحاً:


- نعم، ولكن هناك طيور أخرى، لها أعين صغيرة جداً، ومع ذلك فهي ترى بها النمل،

 

ولو على علو شاهق جداً..


- ألهذا الحد؟!


- نعم، وكيف ستبصر فريستها، وهي تحلق في فضاء الله الواسع؛ مثل: النسر والباز والعقاب؟!


- حتى في الظلام؟!


- هناك طيور تصيد في النهار، مثل هذه التي ذكرت، وأخرى تصيد بالليل، مثل العمة "لولى"..

 

 

لأن فريستها تخرج، من مكامنها ليلاً لتبحث لها عن غذاء، والليل آمن لها من النهار..


.. واسترسل الوالد يوضح له سنن الحياة، ومعارك الوجود بين الحيوانات والحشرات.. ومع بني البشر،

 

فانتفض الصغير واقفاً:

 

- حتى البشر يأكلون بعضهم البعض يا أماه؟


- لا يا ولدي، بل سخر الله لهم الحيوان للغذاء، وكذا النباتات والحبوب والخضراوات

 

والفواكه والطيور.. وكل النعم.


- أكل هذا من أجل الإنسان يا أبي؟!


- نعم، ألم أقل لك من قبل، إن الله كرم الإنسان وفضله على سائر مخلوقاته؟


فتنهدت العمة "لولى"، وهي تعتب:


- لكن للأسف، لم يحترم هذه النعم، ولم يشكر الله عليها، وقابلها بالنكران والجحود.


تنحنح الأب، وحاول تغيير مجرى الكلام، لأنه يعلم ما تريد قوله العمة "لولى"، وهو لا يود

 

لابنه الصغير أن يعرف كل شيء الآن عن بني البشر، خاصة وهو مهاجر نحوهم، فلا يعقل

 

أن يزرع في قلبه الخوف والفزع منذ الآن. لكن العمة "لولى" أصرت على موقفها ونفشت

 

ريشها الكثيف، وأمسكت بعكازها وهي تقول:


- لا تقاطعني يا أبا طير، ودعني أوضح لابنك ما استتر.. فلا يعقل، أبداً، أن نخفي عنه الحقيقة،

 

وأنت ذاهب به إلى بني البشر.


تلعثم الصغير، وهو يمسك بذراع أمه:


- مـ.. مـ.. ما الحقيقة التي تقصدين يا عمتي؟!


- حقيقة بني البشر طبعاً، طباعهم.. سلوكهم.. عداءهم لنا معشر الطير.. وكل أصناف الحيوانات..


حاول الأب مقاطعتها مرة ثانية، لكن بكل ذكاء ودهاء، وهو يقول في شكل اعتذار:


- عفواً سيدتي "لولى" ما أردت مقاطعتك، وإنما أردت فقط أن أقول؛ إن الليل قد جنّ،

 

وقد تأخرنا عن موعد نومنا.. وخاصة الصغير..


- بل أنتم الذين تأخرتم يا كسالى الليل.. أما أنا، فما زلت أستعد الآن للقيام برحلة صيد،

 

تحت ضوء هذا القمر المنير..


فقهقه الأب مداعباً:


- نحن كسالى الليل، وأنتم كسالى النهار، فمن منا الأفضل؟!


فردت العمة "لولى"، بكل حكمة وتبصر:


- كل خلق لما هو ميسر له، وتلك مشيئة الله في خلقه: "وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها".

 

سواء طلبته آناء الليل أو أطراف النهار..

 

ثم حركت جناحيها العريضين هامّة بالطيران، حتى أثارت غبار المغارة الصغيرة،

 

وكأنها طائرة نفاثة تهم بالإقلاع، مما اضطر الصغير إلى التمسك بوالديه، وهو يصيح:


- لم تخبريني بعد عن حقيقة البشر يا عمتاه؟!


فاستدارت نحوه العمة دون أن تتوقف:


- غداً صباحاً أخبرك الخبر اليقين..


ثم توارت بين أحضان الظلام، طلباً للرزق الذي كتب لها هذا المساء.




قصة المهاجر

شاهد الان
اعلانات المجلة
قنوات الاطفال